حين تُحرَق البيوت لا تُدفَع الأقساط… إسقاط قروض البنوك حقٌ لشعبٍ منكوب لا مِنّة
بقلم: شريف الهركلي
حين تُحرَق البيوت لا تُدفَع الأقساط… إسقاط قروض البنوك حقٌ لشعبٍ منكوب لا مِنّة
الكوفية كارثة الحرب على قطاع غزة ليست حدثًا عابرًا، بل زلزالًا إنسانيًا واقتصاديًا وأخلاقيًا. نارٌ مجنونة التهمت البيوت والأحلام والذكريات، وحتى صور العائلة المعلّقة على جدرانٍ لم تعد موجودة.
شعبٌ أُحرِق تاريخه اليومي تحت الركام لا يطلب “تأجيل القروض”، بل يطالب بحقه الإنساني في إسقاطها.
الموظفون العسكريون والمدنيون في قطاع غزة — وهم جزء أصيل من هذا الشعب المنكوب — لم يتقاعسوا يومًا عن واجباتهم الوطنية. لكنهم اليوم يقفون في قلب الإعصار:
رواتب منقوصة، خصومات قاسية، أسعار ملتهبة، وبيوت مدمّرة في ظل عدوانٍ متواصل لا يرحم بشرًا ولا حجرًا.
ورغم ذلك، تقوم بعض البنوك الفلسطينية هذا الشهر باقتطاع أقساط القروض من الموظفين العموميين وكفلائهم بنِسَب قد تصل إلى 50٪، في مشهد يصعب وصفه إلا بأنه قاسٍ وغير إنساني تجاه طبقة أنهكتها الحرب والحصار والفقد.
إن الحديث عن الخصم أو حتى تأجيل أقساط القروض البنكية لم يعد كافيًا ولا عادلًا؛ فالتأجيل يعني أن الألم مؤجَّل لا مرفوع، وأن الكارثة مسجَّلة في دفاتر البنوك بانتظار موعد جديد للخصم، بينما الواقع يقول إن القدرة على السداد قد دُفِنت تحت الأنقاض.
ومن هنا تتصاعد المطالبة الوطنية الواضحة بإسقاط القروض عن الموظفين العسكريين والمدنيين في قطاع غزة، باعتبارهم ضحايا حرب وكارثة إنسانية شاملة، لا متعثرين ماليًا بإرادتهم.
وتتحمّل السلطة الوطنية الفلسطينية مسؤولية أخلاقية ووطنية في هذا الملف من خلال:
تفعيل صندوق كوارث فلسطيني خاص بإسقاط ديون المتضررين من العدوان.
التوجّه الجاد نحو دعم عربي ودولي مخصص لمعالجة الآثار الاقتصادية والنفسية والاجتماعية للحرب.
حماية الموظف الفلسطيني من الوقوع بين فكي الحرب والبنوك معًا.
ولو تخلّى عنا الأطراف العربية والدولية في سداد هذه القروض، فمن الواجب أن تتدخل السلطة الوطنية الفلسطينية عبر تسوية عادلة تُسدّد من مستحقات الموظفين المتراكمة لدى وزارة المالية للبنوك، بدل ترك الناس في مواجهة مصيرٍ قاسٍ لا يرحم.
أمثلة دولية تؤكد أن إسقاط القروض حق في زمن الكوارث
ليس هذا المطلب سابقة فلسطينية، بل ممارسة إنسانية شهدها العالم مرارًا:
هايتي – زلزال 2010
بعد الزلزال المدمّر في يناير 2010، أُسقطت ديون هايتي المستحقة لصندوق النقد الدولي بالكامل عبر ما عُرف بصندوق تخفيف أعباء الديون بعد الكوارث، لتمكين البلاد من توجيه مواردها نحو الإغاثة وإعادة الإعمار بدلًا من سداد الديون. فقد أدرك العالم آنذاك أن شعوب الكوارث لا تُطالَب بالأقساط وهي تبحث عن دفء بيت أو قبر شهيد.
هذه الأمثلة الدولية تضع مطلب إسقاط القروض عن أهل غزة في سياقه الصحيح: حقٌ إنساني لشعب منكوب، لا هبة ولا مِنّة.
إن إسقاط القروض ليس منّة، بل حق إنساني لشعبٍ يعيش واحدة من أعنف الكوارث في العصر الحديث. وهو رسالة صمود حقيقية لا تُكتب في البيانات، بل تُترجم إلى قرارات شجاعة تعيد للإنسان بعض كرامته، وللوطن بعض تماسكه.
غزة اليوم لا تحتاج وعودًا مؤجّلة، بل قرارات تليق بحجم الجرح الفلسطيني، وتقول بصوتٍ واضح:
حين تُحرَق البيوت… لا تُدفَع الأقساط.