نشر بتاريخ: 2026/01/23 ( آخر تحديث: 2026/01/23 الساعة: 00:19 )

غزة ما بين الضرورة والحق: قراءة في الممكن السياسي

نشر بتاريخ: 2026/01/23 (آخر تحديث: 2026/01/23 الساعة: 00:19)

الكوفية لا يستطيع أحد أن يمنع الشعب الفلسطيني من المطالبة بحقه في تقرير مصيره والحفاظ على هويته الوطنية. قرنٌ كامل من التجربة التاريخية أثبت أن هذا الحق لا يسقط بالتقادم ولا يُمحى بالهزائم المؤقتة. كما لا يمكن تخيّل أن الفلسطيني، في أي بقعة من بقاع وجوده، قادر على التعايش مع احتلال استيطاني إحلالي، حتى لو وُجدت – نظريًا – إرادة لذلك. فطبيعة هذا الاحتلال تفرض الصدام، وتجعل المقاومة نتيجة طبيعية لا مجرد خيار سياسي.

غير أن قراءة تجربة النضال الفلسطيني بعمق تكشف حقيقة أساسية غالبًا ما يتم تجاوزها: ذُرى المواجهة الفلسطينية، من ثورات وانتفاضات، لم تنطلق إلا حين توفّر حدّ أدنى من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي الذي يلبّي الاحتياجات الإنسانية الأساسية. لا يمكن لشعبٍ أن يقاتل وهو جائع، مشرّد، بلا مأوى أو أفق. وتجربة تأخر انطلاق النضال الثوري المنظم بعد نكبة عام 1948 حتى منتصف ستينيات القرن الماضي تمثّل دليلًا تاريخيًا واضحًا على هذه القاعدة.

انطلاقًا من هذه المحددات الثلاثة – حق تقرير المصير، استحالة التعايش مع الاحتلال، وارتباط النضال بشروط الحياة – يجب مقاربة ما يُطرح اليوم من خطط تتعلق بمستقبل غزة، سواء ما عُرف بخطة ترامب، أو ما يُتداول حول “مجلس السلام”، أو اللجنة الإدارية المقترحة لإدارة القطاع.

من غير الواقعي الافتراض أن الفلسطينيين اختاروا هذه المسارات بإرادتهم الحرة. ما يجري هو نتاج مباشر للحرب، ولاختلال موازين القوة، ولحجم الخسائر الإنسانية والمادية الهائلة. وعليه، فإن التعاطي مع هذا الواقع يجب أن يكون ضمن سقوف سياسية واقعية، حتى وإن كانت منخفضة جدًا في المرحلة الراهنة.

هل يعني ذلك الاستسلام للإرادة الأمريكية أو الإسرائيلية؟ بالتأكيد لا. لكنه يعني إعادة ترتيب الأولويات: الشعب أولًا، ثم القضية، دون فصل بينهما. غزة اليوم بحاجة إلى التعافي، إلى استعادة الحد الأدنى من التوازن الإنساني، وإلى زراعة الأمل بإمكانية البقاء على الأرض. فبقاء الفلسطيني في غزة هو الشرط الأول لأي مسار نضالي مستقبلي، ولذلك يصبح التعاطي مع مشاريع الإعمار – رغم شروطها المجحفة – ممرًا إجباريًا في هذه المرحلة للحفاظ على هذا الهدف.

إن بقاء الفلسطيني على أرضه يُبقي إمكانية تجدد المقاومة قائمة. فالمقاومة ليست فعلًا دائمًا بالوتيرة نفسها، بل حالة تاريخية تتفاعل مع شروط الواقع. قد تتراجع مرحليًا، وقد تعود بأشكال وأدوات مختلفة، وبعناوين تتناسب مع تحولات المجتمع الفلسطيني وحركة التاريخ.

وفي هذا السياق، تبرز مسألة اللجنة الإدارية في غزة بوصفها إحدى أكثر القضايا حساسية وخطورة. إن الزجّ باللجنة الإدارية في الملفات السياسية، أو تقديمها بوصفها ممثلًا عن الشعب الفلسطيني في غزة، لا يشكّل خطأً إداريًا أو تجاوزًا شكليًا فحسب، بل يمثّل خطرًا وطنيًا بالغًا يمهّد الطريق لتذويب القضية الفلسطينية نفسها. فهذا المسار يحوّل القضية من قضية تحرر وحقوق وطنية إلى قضية فنية–إنسانية، تُختزل مهمتها في توفير سبل الحياة اليومية لمجموعة سكانية محاصَرة في رقعة جغرافية محدودة.

والأخطر من ذلك أن هذا التوجّه يؤدي عمليًا إلى إضعاف، بل تفكيك، الأطر السياسية الفلسطينية الرسمية، وفي مقدمتها منظمة التحرير الفلسطينية، والسلطة الوطنية، وحتى الفصائل السياسية، عبر القفز عنها واستبدالها بهيئات إدارية منزوعة البعد السياسي. وبهذا يصبح الخطاب الفلسطيني أمام العالم محصورًا في ملف الاحتياجات الإنسانية، بدلًا من كونه خطاب حقوق وطنية وسياسية، وهو ما يخدم – موضوعيًا – الرؤية الإسرائيلية والدولية الساعية إلى إدارة الصراع بدل إنهائه.

في الوقت ذاته، تتكاثر الفخاخ التي تُنصب للقضية الفلسطينية، من الوصاية الدولية، إلى محاولات التذويب، وصولًا إلى شعار “نزع السلاح”. وهنا لا بد من التمييز بين مستويين مختلفين:

الأول، نزع السلاح كإعلان سياسي وأخلاقي بتجريم المقاومة والتخلي عنها، وهو أمر لا يمكن لأي فلسطيني عاقل القبول به.

الثاني، نزع السلاح كإجراء لوجستي مرحلي تفرضه نتائج الحرب ومتطلبات الواقع الجديد. في هذه الحالة، يمكن التعاطي معه باعتباره تنازلًا تكتيكيًا مؤقتًا، لا يمس الحق الاستراتيجي للشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال. فالسلاح في جوهره أداة، أما أساس المقاومة فهو الفكرة والإرادة.

في الخلاصة، نحن أمام مرحلة قاسية من تاريخ القضية الفلسطينية، مرحلة تُفرض فيها خيارات شديدة الصعوبة، أقرب إلى اختيار الأسوأ من بين السيّئ. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح الهدف هو تمرير العاصفة بأقل الخسائر الممكنة، والحفاظ على الإنسان الفلسطيني على أرضه، وعلى البنية السياسية للقضية، إلى أن تتغير موازين القوة وتعود القدرة على فرض معادلات جديدة.