"ربط الساحات أم الهروب من المواجهة؟ قراءة في الاستراتيجية الإيرانية بعد وصول الحرب إلى عمقها".
عماد وليد كباجة
"ربط الساحات أم الهروب من المواجهة؟ قراءة في الاستراتيجية الإيرانية بعد وصول الحرب إلى عمقها".
الكوفية تتبنى إيران استراتيجية دفاعية هجومية قائمة على مبدأ "الدفاع المتقدم"، حيث تسعى لنقل بؤر الصراع بعيداً عن حدودها الجغرافية عبر شبكة من الأذرع الإقليمية. وعلى الرغم من التحولات الميدانية الدراماتيكية التي أوصلت الصراع إلى العمق الإيراني، إلا أن طهران لا تزال تتمسك بهذه العقيدة، محاولةً تحويل كل ملف إقليمي إلى ورقة ضغط في مفاوضاتها الدولية والإقليمية.
تعتمد السياسة الإيرانية الراهنة على نهج "ربط الساحات"، وهو أداة مزدوجة الغرض:
* إطالة أمد التفاوض: من خلال فرض شروط تعجيزية -مثل الإصرار على تلازم المسارات بين لبنان، غزة، والملف الإيراني- تضمن طهران بقاء مساحة للمناورة السياسية، والحيلولة دون الوصول إلى تسويات جزئية قد تضعف نفوذها في هذه المناطق.
* استدامة الوصاية: تسعى طهران عبر هذا الربط إلى تكريس دورها كلاعب مركزي لا غنى عنه، مما يضمن بقاء أذرعها في حالة "استنفار دائم" تحت الوصاية الإيرانية، وهو ما يمنع انفراد أي من هذه الأطراف بمسار سياسي مستقل.
اصطدام الاستراتيجية بالواقع الميداني
إن رهان إيران على استخدام "جبهات الإسناد" كدروع سياسية يواجه اليوم تحديات وجودية. فقد أدى هذا النهج إلى:
* تصعيد المواجهة: قوبل الإصرار الإيراني على ربط ملف لبنان بمسارات التهدئة برفض حازم من القوى الإقليمية والدولية (على رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل)، مما أدى إلى مضاعفة العمليات العسكرية وتوسيع نطاقها بدلاً من احتوائها .وفي الوقت ذاته، تتردد في الأوساط السياسية والإعلامية تقديرات تشير إلى رغبة إيرانية في ربط ملف غزة بالمسارات الإقليمية الأخرى، وهو ما قد يدفع إسرائيل إلى اتباع النهج ذاته القائم على رفض "ربط الساحات" والتعامل مع كل جبهة بصورة منفصلة.
* تفتيت المحاور: يبدو أن التحركات العسكرية الإسرائيلية والأمريكية تهدف بشكل منهجي إلى "فك الارتباط" بين هذه الجبهات، وتقويض قدرة إيران على إدارة هذه الأذرع ككتلة واحدة، مما يجعل استراتيجية الربط الإيرانية تبدو كأنها "معركة خاسرة" ميدانياً، لكنها "مكسب تكتيكي" سياسي لغرض إضاعة الوقت.
الخلاصة
تدرك طهران جيداً أن فرض شروطها بربط الجبهات سيؤدي حتماً إلى رد فعل عسكري أعنف، لكنها تختار هذا المسار بوعي كامل؛ فهو بالنسبة لها "أهون الشرين". فالتخلي عن وكلاء المنطقة يعني فقدانها لأهم أوراق قوتها الإقليمية، بينما الاستمرار في الربط -حتى وإن أدى لمزيد من الدمار في تلك الساحات- يمنحها هامشاً للمناورة، ويُبقي الصراع خارج حدودها، ويمنع خصومها من حسم الملفات بشكل نهائي.