نشر بتاريخ: 2026/09/01 ( آخر تحديث: 2026/09/01 الساعة: 15:15 )
مهند عبد الحميد

حـمـاس تـتـغـيـر ولا تـتـغـيـر

نشر بتاريخ: 2026/09/01 (آخر تحديث: 2026/09/01 الساعة: 15:15)

إذا انطلقنا من الحق في التعدد السياسي والفكري والثقافي والديني، ومن أهمية الوحدة الوطنية في ظروف احتلال إقصائي، فمن الطبيعي أن تتوحد القوى السياسية في إطار جبهة وطنية وعلى مشروع وطني يؤدي إلى إنهاء الاحتلال وممارسة حق تقرير المصير.

ربما يتفق الكل على تلك المبادئ التي تجسد ديمقراطية حقيقية. ولكن عندما نكون بصدد ترجمة المبادئ في الواقع تظهر المواقف المتناقضة والأهداف غير المشروعة.

الجبهة الوطنية هي منظمة التحرير المعترف بها وبامتداداتها - سلطة ودولة فلسطين – من حوالي 160 دولة، أكثر من 80% من دول العالم، والنظام الداخلي للمنظمة، ينص على ضم كافة القوى والفصائل والاتحادات الشعبية والمهنية والشخصيات المستقلة.

بيد أن حركة حماس وتنظيم الإخوان المسلمين الذي انبثقت عنه لم يعترفا بالمنظمة منذ التأسيس وهي في أوج صعودها الثوري وحتى الآن، واشترطت حماس الاعتراف بإصلاح المنظمة لتضم كافة القوى والفصائل بحسب البند 5 من إعلان القاهرة الصادر في العام 2005.

وفي وثيقة حماس الصادرة عام 2017 المادة 29. تعتبر الحركة م. ت.ف إطاراً وطنياً للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج يجب المحافظة عليه مع ضرورة العمل على تطويرها وإعادة بنائها على أسس ديمقراطية.

يلاحظ هنا القفز عن التمثيل، وكأن منظمة التحرير بمستوى جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني.

أما المشروع الوطني الذي أدخلت عليه تعديلات سنة تلو الأخرى في سياق تحولات عربية وعالمية وإسرائيلية، واعتمد في دورات المجلس الوطني المتعاقبة، وكان ينسجم مع الحل الدولي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي المستند إلى قرارات الشرعية الدولية وجاءت النسخة الأكثر انسجاماً للمشروع الوطني عبر قرارات دورة المجلس الوطني رقم 19 ووثيقة إعلان الاستقلال.

هنا لا يمكن تجاهل العلاقة بين الاعتراف الدولي والعربي المطّرد بالمنظمة والدولة والسلطة وبين المشروع أو البرنامج الوطني الملتزم بالحل الدولي.

حماس لها مشروع سياسي آخر عرضته وثائقها في كل المراحل، ولا ينقصه الوضوح والتحديد، وهي حرة في اختيار المشروع الذي تريده، ولا يجوز أن يُفرض عليها وعلى غيرها مشروع آخر، وبالمثل لا يجوز أن تفرض حماس مشروعها على الآخرين أو أن تفشل المشروع الآخر بأشكال غير ديمقراطية ولا سلمية.

يقول مشروع حماس إن فلسطين التاريخية أرض وقف إسلامي لا يجوز التنازل عن أي جزء منها بحسب وثيقة 88، وتعتبر حماس أن قرار تقسيم فلسطين منعدم، وأن قيام إسرائيل باطل من أساسه ولا تنازل عن أي جزء من أرض فلسطين، ولا اعتراف بشرعية الكيان الصهيوني، وترفض حماس أي بديل عن تحرير فلسطين تحريراً كاملاً من نهرها إلى بحرها، وترفض الحركة اتفاقات أوسلو وملحقاتها وما ترتب عليها من التزامات. كما ورد في وثيقة حماس 2017 في الأبواب 18، 19، 20، 21، 25.

وفي ما يتعلق بموقف حماس من الدولة الفلسطينية، فهي تؤيد قيام دولة مستقلة وكاملة السيادة على حدود الرابع من حزيران 67 مع عودة اللاجئين والنازحين باعتبارها صيغة توافقية مشتركة مع القوى الفلسطينية الأخرى».

لكن المادة 27 تقول: الدولة الفلسطينية الحقيقية هي ثمرة التحرير، ولا بديلَ عن إقامة الدولة الفلسطينية كاملة السيادة على كل التراب الوطني الفلسطيني، وعاصمتها القدس. وتعتبر وثيقة حماس أن المقاومة المسلحة خيار استراتيجي مع إجازة وسائل نضال أخرى. ثمة فرق جوهري بين مشروع حماس والمشروع الوطني المعتمد من المؤسسة الفلسطينية، بمستوى لا يمكن التوفيق بينهما.

يلاحظ أن مستوى التغيير في سياسة حماس تكتيكي، ويعود إلى رغبة الحركة في امتلاك الشرعية الفلسطينية وتحديداً السيطرة على مركز – القرار والتمثيل -.

وقد شجعها على ذلك انسحاب حكومة نتنياهو اللاحق من العملية السياسية وتنكرها لاتفاق أوسلو واعتماد سياسة إضعاف السلطة وتجريدها من صلاحياتها ووضعها في تناقض مع جماهيرها، لجهة عجزها السياسي والاقتصادي في الوقت الذي ضاعفت فيه الاستيطان وعمقت الاحتلال والفصل العنصري.

مقابل سياسة نتنياهو ومعسكره المؤدية إلى تقوية حماس عبر المال القطري وفضائية الجزيرة التي ساهمت في خلق رأي عام مؤيد للمقاومة ولحركة حماس وبخاصة وسط الأجيال الشابة، وأصبح الاعتقاد السائد لدى تلك الأوساط أن المقاومة المسلحة هي الحل الشافي، كان الهدف الإسرائيلي وراء ذلك فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية بشكل نهائي، ومنع الحل السياسي الذي يؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية أو حكم ذاتي يؤدي إلى دولة.

إفشال الحل السياسي - أوسلو - كان نقطة التقاء مشتركة بين حماس ومعسكر اليمين القومي الديني بقيادة نتنياهو.

بدأ الفصل الأول أثناء انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من مدن وبلدات ومخيمات الضفة والقطاع، حين نظمت حركتا حماس والجهاد سلسلة من العمليات الاستشهادية ضد أهداف مدنية إسرائيلية لتطيحا بسرعة قياسية ببند تحقيق الأمن للإسرائيليين الذي اعتمد عليه رابين في إقناع نصف الكنيست الإسرائيلي + واحد باتفاق أوسلو، وفي المقلب الآخر اغتيل رابين ما أدى إلى ضعضعة معسكر الحل السياسي الذي تزعمه، واستمرت العمليات الاستشهادية بعد الاغتيال وتحديداً أثناء الانتخابات التي فسرها باسم نعيم القيادي في حركة حماس بالقول صوتاً وصورة: «أسقطنا بعملياتنا شمعون بيرس».

كان من حق حماس معارضة الاتفاق بالأشكال السلمية في الفترة الانتقالية المحددة بـ 5 سنوات.

وفي حالة الفشل تصبح المقاومة المسلحة لها ما يبررها، وكان بمقدور حماس مقاومة قوات الاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة إذا ما تراجعت عن الانسحاب المنصوص عليه في الاتفاق.

وفي هذه الحالة يمكن القول إن حماس تتغير نحو الأحسن، لكن التغيير الذي صنعته كان للأسوأ ولمصلحة المعسكر الإسرائيلي المعادي للحل.

واستمرت حماس في التغير للأسوأ بإطلاقها مع فصائل أخرى موجة تفجيرات في مطاعم وباصات ومراكز تجارية وأسواق وحرم جامعي أثناء انتفاضة الأقصى عام 2000، ما تسبب في اجتياح المدن والبلدات التي انسحبت منها إسرائيل وتدمير البنية التحتية للسلطة واغتيال عرفات ودمج النضال الفلسطيني بالإرهاب وبناء جدار الفصل العنصري وفرض وصاية على السلطة وتعميق التحول في المجتمع الإسرائيلي لمصلحة المعسكر القومي الديني.

فاز نتنياهو في الانتخابات من موقع المعادي لأوسلو لكنه التزم بالاتفاق ونفذ مرحلة الانسحاب من الخليل، واعترف بحل الدولتين ضمن اشتراطات.

مقابل ذلك فازت حماس بالانتخابات على أساس اتفاق أوسلو وسلطته لكنها لم تحترم التزام المنظمة بالاتفاق ولا بمرجعية المنظمة ومسؤوليتها عن السلطة ولا بالموقف العربي والدولي وتحديداً بمطالب الرباعية الدولية.

اعتقدت حماس أنها امتلكت تفويضاً شعبياً مؤيداً لبرنامجها. ولم يمضِ طويل وقت حتى نفذت انقلاباً عسكرياً دموياً في قطاع غزة أطاح بمؤسسات السلطة وأعاد بناء نظام سياسي بأيديولوجيا خلاصية. وهذا يؤكد أن حماس تتغير فعلياً.. وللحديث بقية.