ذكرى انتصار 6 أكتوبر: حين كسرت الحرب جدار الجمود وفتحت أبواب السياسة.
ذكرى انتصار 6 أكتوبر: حين كسرت الحرب جدار الجمود وفتحت أبواب السياسة.
الكوفية في ذكرى 6 أكتوبر لا بد من القول أنه ليست كل الحروب التي تُخاض بهدف تغيير الواقع تنتهي بانتصار عسكري كامل، لكن بعضها ينجح في تحقيق ما هو أبعد من نتائج الميدان: تغيير قواعد اللعبة نفسها، وهكذا يمكن قراءة حرب السادس من أكتوبر 1973.
فبعد ست سنوات من حرب يونيو 1967، بدا الشرق الأوسط وكأنه دخل في جدار من الجمود: أراضٍ عربية تحت الاحتلال، ميزان عسكري مختل، مسار سياسي عاجز عن إنتاج تسوية، وقناعة لدى أطراف عديدة بأن نتائج 1967 تحولت إلى واقع يصعب تغييره، جاء أكتوبر ليكسر هذه القناعة.
ولم تكن المسألة مجرد عبور لقناة السويس أو هجوم على جبهة الجولان، بل كانت محاولة لإعادة إدخال عنصر غاب عن المعادلة لسنوات: إمكانية تغيير الواقع بالقوة بعد أن عجزت السياسة وحدها عن تغييره، ومن هنا تبدأ أهمية أكتوبر الحقيقية.
عندما يصبح الجمود أخطر من الحرب، كانت السنوات التي سبقت الحرب قد كشفت مأزقًا واضحًا. إسرائيل متمسكة بالواقع الذي نشأ بعد 1967، والعرب يطالبون باستعادة الأراضي المحتلة، بينما ظلت الوساطات الدولية عاجزة عن إنتاج اختراق حقيقي، وفي مثل هذه البيئة، يتحول الجمود نفسه إلى مشكلة استراتيجية.
فالاحتلال الذي يستمر سنوات يمكن أن يتحول من وضع مؤقت إلى «واقع»، والواقع إذا طال أمده يصبح أكثر صعوبة في التغيير، لذلك جاءت حرب أكتوبر لتقول إن نتائج 1967 ليست نهاية التاريخ، كان هذا هو التحدي الأكبر الذي حملته الحرب: إعادة فتح السؤال الذي حاول الجمود إغلاقه.
العبور لم يكن مجرد عملية عسكرية في الذاكرة العربية، ارتبط السادس من أكتوبر بصورة العبور واقتحام خط بارليف. وهي صورة ذات قيمة عسكرية كبيرة غيرت المعادات والاستراتيجيات،
لكن القراءة السياسية الأوسع تتطلب تجاوز الصورة إلى ما وراءها، فالعبور أعاد بناء فكرة المبادرة. بعد سنوات بدا فيها الطرف العربي في موقع رد الفعل، جاءت الحرب لتعيده إلى موقع الفعل، وتفرض على إسرائيل وعلى القوى الدولية إعادة حساباتها.
وهنا تحديدًا تتضح قيمة المفاجأة، لم يكن المطلوب بالضرورة تحقيق حسم عسكري شامل في ساعات أو أيام، بقدر ما كان المطلوب إثبات أن ميزان القوة يمكن اختراقه وأن الأمر الواقع ليس محصّنًا إلى الأبد.
وهذا ما حدث بالفعل، من الميدان إلى واشنطن وموسكو لم تبقَ الحرب داخل حدود الجبهتين المصرية والسورية، سرعان ما تحولت إلى أزمة دولية كبرى، في قلب الحرب الباردة، بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.
ومع تغير مسار المعارك، أصبح خطر اتساع المواجهة حاضرًا بقوة. وتشير الوثائق الأمريكية إلى أن حرب أكتوبر دفعت واشنطن إلى إعادة تقييم الوضع الإقليمي، وأصبحت الولايات المتحدة أكثر انخراطًا في جهود وقف القتال والتوصل إلى ترتيبات سياسية. كما وصلت المواجهة بين القوتين العظميين إلى مستوى شديد الحساسية خلال الأيام الأخيرة للحرب، وهنا تكشف أكتوبر عن وجهها الآخر: لم تكن الحرب عربية إسرائيلية فقط؛ كانت اختبارًا لمعادلات القوة الدولية في الشرق الأوسط.
النفط دخل المعركة وللمرة الأولى بهذا الحجم، خرج تأثير الصراع من ساحات القتال إلى الاقتصاد العالمي.
استخدمت الدول العربية المنتجة للنفط ورقة النفط في مواجهة الدول الداعمة لإسرائيل، لتتحول الحرب إلى أزمة طاقة دولية كان لها أثر اقتصادي وسياسي واسع.
وهذا التطور أكد أن الصراع لم يعد قضية عسكرية إقليمية محضة، فالجغرافيا العربية، والنفط، والممرات الاستراتيجية، والأمن الإسرائيلي، والمصالح الأمريكية والسوفيتية، كلها أصبحت أجزاء مترابطة من معادلة واحدة.
وهكذا، اكتسبت حرب أكتوبر وزنًا تجاوز نتائج المعارك نفسها، المفارقة الكبرى: أن الحرب التي فتحت طريق السلام ، ربما تبدو هذه المفارقة غريبة للوهلة الأولى: كيف يمكن لحرب أن تكون طريقًا إلى السلام؟
لكن التاريخ السياسي للمنطقة يقدم الإجابة.قبل أكتوبر، لقد كانت الدبلوماسية عاجزة إلى حد كبير عن تغيير الواقع. وبعد أكتوبر، أصبح هناك واقع جديد يمكن التفاوض عليه، وهنا ظهر الدور الأمريكي بقوة، خصوصًا من خلال تحركات وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر، وما عُرف لاحقًا بدبلوماسية «الخطوة خطوة»، بدأت ترتيبات فصل القوات، ثم تطور المسار المصري الإسرائيلي وصولًا إلى اتفاقات كامب ديفيد ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979.
وبغض النظر عن المواقف المختلفة من نتائج هذا المسار، فإن الحقيقة التاريخية الأساسية تبقى أن أكتوبر نقل الصراع من مرحلة الجمود إلى مرحلة التفاوض النشط.
وهذا أحد أهم دروس الحرب.
هل كانت أكتوبر انتصارًا عسكريًا أم سياسيًا؟
السؤال الذي يتكرر كل عام يحتاج إلى قدر من الدقة، فالحرب لم تنتهِ بانهيار إسرائيل أو استعادة جميع الأراضي المحتلة عسكريًا،
لكن اختزال الحرب في هذه النتائج وحدها سيكون قراءة ناقصة، وفي المقابل، فإن تصويرها باعتبارها انتصارًا عسكريًا عربيًا مطلقًا يتجاهل تعقيدات الأيام الأخيرة للحرب، الأدق هو النظر إليها باعتبارها نجاحًا في تغيير المعادلة الاستراتيجية والسياسية للصراع.
لقد أثبتت الحرب أن إسرائيل يمكن مفاجأتها، وأن التفوق العسكري لا يعني القدرة على تجميد الواقع السياسي إلى الأبد، وأن استعادة المبادرة العربية ممكنة، وهذه النتائج لم تكن هامشية.
السادات فهم اللحظة، كان الرئيس المصري أنور السادات يدرك أن الحرب ليست غاية في ذاتها، كان يريد كسر الجمود الذي نشأ بعد 1967، ثم استخدام الواقع الجديد للانتقال إلى السياسة، وهنا تكمن إحدى أهم نقاط تجربة أكتوبر: الحرب والسياسة لم تكونا مسارين منفصلين، بل مرحلتين ضمن استراتيجية واحدة، فحين تغير الواقع العسكري، تغيرت شروط التفاوض.
وحين تغيرت شروط التفاوض، أصبح بالإمكان الانتقال إلى ترتيبات سياسية لم تكن متاحة بالسهولة نفسها قبل الحرب، هذه ليست دعوة إلى الحرب، بل درس في فهم العلاقة بين ميزان القوة والسياسة.
لكن أكتوبر لم تُنهِ الصراع،
وهنا يجب أن تكون القراءة أكثر صراحة.
لقد استعادت مصر سيناء لاحقًا عبر مسار تفاوضي وسياسي، لكن الصراع العربي الإسرائيلي لم ينتهِ.
بقيت القضية الفلسطينية بلا حل نهائي، واستمر الاحتلال في الأراضي الفلسطينية، وبقيت قضية الجولان دون تسوية نهائية.
بمعنى آخر، نجحت أكتوبر في تغيير مسار الصراع، لكنها لم تغلق ملف الصراع، وهذا فارق جوهري، فالحرب يمكن أن تغير قواعد اللعبة من دون أن تنهي اللعبة.
وقد تكون هذه هي المفارقة الأكثر أهمية في تاريخ أكتوبر كله، الدرس الذي يتجاوز 1973، بعد أكثر من نصف قرن، لم تعد أهمية أكتوبر في تفاصيل المعارك وحدها.
الأهم هو الدرس الذي تركته وراءها:
لا يمكن بناء سلام مستقر على تجاهل ميزان القوة، ولا يمكن لميزان القوة وحده أن ينتج سلامًا مستقرًا.
القوة تستطيع أن تفتح باب السياسة، لكنها لا تستطيع أن تحل محلها.
والسياسة تستطيع أن تنتج اتفاقًا، لكنها تحتاج إلى واقع يسمح لها بأن تكون ذات معنى، هذه المعادلة هي التي جعلت أكتوبر محطة تاريخية لا مجرد ذكرى عسكرية.
من ذكرى الحرب إلى سؤال الحاضر، ربما يكون السؤال الأهم في ذكرى أكتوبر اليوم ليس: من انتصر؟
بل: ماذا فعل الانتصار بالسياسة؟ ماذا يحدث عندما تستطيع دولة أو حركة أو شعب أن يكسر واقعًا يبدو ثابتًا؟ وهل يتحول الإنجاز العسكري إلى مشروع سياسي؟ وهل تستطيع السياسة أن تحافظ على المكاسب التي حققتها القوة؟ وماذا يحدث عندما تتوقف المعركة قبل الوصول إلى تسوية شاملة؟
هذه الأسئلة تجعل أكتوبر أكثر من ذكرى، إنها تجربة تاريخية في العلاقة بين القوة والإرادة والسياسة والواقع الدولي.
ومن هنا، فإن السادس من أكتوبر لم يكن يومًا عسكريًا عابرًا. لقد كان لحظة كسرت جدارًا من الجمود، وأثبتت أن الواقع الذي يبدو مستحيل التغيير يمكن أن يتغير، وأن المعركة الحقيقية لا تنتهي بالضرورة عندما تصمت المدافع، فقد تبدأ المعركة في الميدان، لكنها لا تنتهي هناك، وهذا، ربما، هو الدرس الأكثر بقاءً من أكتوبر: أن امتلاك القدرة على تغيير الواقع لا يصبح تاريخًا إلا عندما يتحول إلى قدرة على إدارة ما بعد التغيير.