نشر بتاريخ: 2026/01/18 ( آخر تحديث: 2026/01/18 الساعة: 19:34 )
إدوارد كتورة

صمود الإرادة وصعود "العقل الوطني" في زمن التيه السياسي

نشر بتاريخ: 2026/01/18 (آخر تحديث: 2026/01/18 الساعة: 19:34)

الكوفية غزة وعبور "المرحلة الثانية"

في لحظة مفصلية من تاريخ القضية الفلسطينية، تقف غزة على مفترق حاسم، أطلق عليه البعض "المرحلة الثانية" من اتفاقياتها، مرحلة لا تحتمل التردد ولا الانجرار وراء الحسابات الضيقة. فمع إعلان ستيف ويتكوف عن بدء التنفيذ وظهور "الهيئة الوطنية لإدارة غزة"، تحولت المبادرة من مجرد إجراء إداري إلى معركة وطنية حقيقية، تهدف إلى استعادة غزة من براثن التدمير، وتأمين حد أدنى من الاستقلال الإداري والسياسي لمواطنيها.

فلسفة التيار: الريادة في زمن الانكسار

التيار الإصلاحي الديمقراطي في حركة فتح لم يكن مجرد مراقب، بل كان المهندس الصامت لثقافة التجاوز الوطني. ففي حين تمسكت بعض الأطراف بقوالب الماضي وشروط "الأوراق الفردية" المهينة للمناضلين، جاء التيار برؤية وطنية شاملة ترتكز على "الفعل الميداني" والمسؤولية الأخلاقية تجاه شهداء وجرحى شعب عاجز عن الدفاع عن ذاته أمام موجات العنف المتواصلة.

لقد أثبتت أحداث القاهرة الأخيرة قدرة التيار على قراءة "خارطة الألم" قبل "خارطة المصالح". الرؤية التي تبناها مبكرًا، والتي دفع نحوها دهاء قياداته، وعلى رأسهم محمد دحلان وسمير مشراوي، لم تكن هروبًا من المسؤولية، بل مهمة وطنية شجاعة لوضع حد لمعاناة شعب لم يعد يمتلك رفاهية الانتظار. فحتى في خضم الخلافات مع السلطة، ظل التيار ملتزمًا بأن تكون المرجعية الوطنية للهيئة فوق التجاذبات الشخصية، مؤكدًا أن الشرعية الحقيقية للمؤسسة لا تُنتزع بالهيمنة الفردية، بل تُبنى بالعمل الجاد والمسؤول.

الهيئة الوطنية: "عقل جديد" لعصر مختلف

الهيئة الوطنية اليوم أمام تحديات ضخمة، فهي مطالبة بمعالجة جراح عجزت عنها دول مجتمعة. وهنا تتجلى عبقرية رؤية التيار: الانتقال من "اللغة الكفاحية التقليدية" إلى "لغة البناء والأرقام"، حيث غزة بحاجة إلى عقل يقدّر الذكاء الاصطناعي، ويؤمن بتنمية الإنسان وتكافؤ الفرص، بعيدًا عن فيروس المحاصصة الذي أنهك النسيج الفلسطيني.

الهيئة، المؤلفة من كفاءات فلسطينية رفيعة، تمثل الدرع العملي لمواجهة خطر التهجير. بناء المستشفيات والمدارس وبث الأمل هو الضمانة الوحيدة لبقاء المواطن فوق أرضه. إنها رؤية تحوّل "طائر الفنيق" من أسطورة إلى واقع ملموس، عبر الإعمار الحقيقي والشفافية الإدارية، بقيادة رموز التيار الذين آمنوا بأن العمل هو الرد الأقوى على الظلم.

الأمن والسيادة: مقاربة فوق-فصائلية

في ملف السلاح الحساس، قدم التيار نموذجًا وطنيًا يجمع بين الصراحة والدبلوماسية العميقة. فالمقدس هو الفكرة والمقاومة، لا الحديد والرصاص. فتح حوار وطني لتسليم "الأمانة السيادية" لأيدي فلسطينية تكنوقراطية ضمن نسيج اجتماعي متماسك، يمثل ذروة النضج السياسي، ويقطع الطريق على أي ذريعة لنتنياهو وحكومته لفرض المزيد من القتل والتدمير تحت مسمى "حكم حماس".

الموقف المصري والغطاء القومي

لا يمكن فصل نجاح هذه المبادرة عن الحاضنة المصرية الصلبة. التناغم بين التيار والقيادة المصرية يعكس إدراكًا مشتركًا بأن وحدة فتح ليست رفاهية سياسية، بل أمن قومي. والتيار، بقيادة محمد دحلان وسمير مشراوي، كان الجسر الذي عبرت عليه تفاهمات تمكين الهيئة الجديدة، مثبتًا أن اليد الممدودة ليست ضعفًا، بل قوة مبنية على الثوابت الوطنية في زمن الانهيار.

تحية لدهاء القيادة وحكمتها السياسية

يستحق محمد دحلان وسمير مشراوي وكل قيادات التيار تحية صادقة، ليس فقط لشجاعتهم، بل لدهائهم السياسي وحكمتهم الوطنية، لقد أظهرا قدرة نادرة على الجمع بين الواقعية والروح الوطنية، وبين الحكمة والمبادرة الميدانية، مؤكدين أن القيادة الحقيقية لا تقاس بالمناصب، بل بقدرة الإنسان على صنع الحلول وخلق الأمل في أصعب الظروف.

مسؤولية تاريخية

التاريخ سيذكر أن تيار الإصلاح الديمقراطي، ومن خلال رؤيته الاستشرافية، كان أول من قرع جرس الإنذار ضد "تسخيف القضايا الكبرى". اليوم، يقدم غزة كنموذج لـ "الجمهورية الفلسطينية الثالثة" — جمهورية الكفاءات والنزاهة، التي ترفض سياسة "الأسد عليّ وفي الحروب نعامة".

غزة اليوم تنهض ليس بالإعمار فقط، بل بـ "الفكر السياسي" الذي صاغه تيار الإصلاح كخارطة طريق وحيدة للنجاة، مبرهنًا أن القيادة ليست منصبًا يُنتزع، بل القدرة على تقديم الحلول وخلق الأمل وصون الوطن وسط الركام.