قرار بريطاني تاريخي: من رفض الاستيطان سياسياً إلى معاقبته اقتصادياً
د.ماجد أبودية كاتب وباحث اقتصادي
قرار بريطاني تاريخي: من رفض الاستيطان سياسياً إلى معاقبته اقتصادياً
الكوفية يمثل التوجه البريطاني نحو فرض حظر قانوني شامل على تجارة السلع المنتجة في المستوطنات الإسرائيلية بالضفة الغربية المحتلة تحولاً مهماً، حيث سيعلن رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام عن واحدة من اكبر التدخلات في السياسة الخارجية البريطانية، وذلك بفرض عقوبات على منتجات المستوطنات الاسرائيلية
وقد عبر وزير خارجيتها إد ميليباند عن اعتزام حكومته فرض حظر قانوني شامل على تجارة السلع المنتجة في المستوطنات الإسرائيلية بالضفة الغربية، والانتقال من مرحلة التوجيهات الإرشادية والتحذيرات للشركات إلى المنع التشريعي والقيود التجارية، كرد على قرارات حكومة نتنياهو الاسرائيلية بالتصعيد الاستيطاني في منطقة E1 وعنف المستوطنين المتصاعد تحت حماية الجيش.
تُشير التقارير الاقتصادية والبيانات الرسمية إلى أن حجم تجارة منتجات المستوطنات يُعد محدوداً مقارنةً بإجمالي حجم التبادل التجاري الضخم بين بريطانيا وإسرائيل الذي يبلغ حوالي ( 8 مليارات دولار أمريكي) سنويا،
منذ عام 2005، ألغت بريطانيا المعاملة الجمركية التفضيلية عن السلع القادمة من المستوطنات، مما جعلها تُباع بأسعار أعلى وتفقد ميزتها التنافسية في الأسواق البريطانية قبل التوجه الحالي للحظر الكامل
ورغم عدم وجود رقم إحصائي رسمي محدد بدقة لمنتجات المستوطنات وحدها نظراً لصعوبة التمييز العملي بينها وبين بقية السلع الإسرائيلية، لكن من المتوقع ان يكون لمثل هذا القرار تاثير كبير على مجمل التبادل التحاري بين البلدين
من الناحية الاقتصادية المباشرة قد يكون تاثير قرار حظر منتجات المستوطنات"محدود وضئيل " على إجمالي التبادل التجاري بين بريطانيا وإسرائيل،حيث تتركز المنتجات القادمة من مستوطنات الضفة الغربية المحتلة في القطاع الزراعي (مثل الخضار والفواكه الطازجة، والتمور، وزيت الزيتون، والنبيذ)، وهي لا تشكل سوى جزء ضئيل من إجمالي التبادل التجاري، ومع ذلك، يحمل القرار أبعاداً وتداعيات سياسية وقانونية واسعة النطاق تفوق بكثير تأثيره التجاري
فالحظر لن يقتصر على السلع الملموسة فحسب، بل يمتد ليشمل منع الشركات البريطانية من تقديم الخدمات، والتمويل، والبناء، أو الإعلان لصالح هذه المستوطنات
ومن المتوقع أن تكون التداعيات السياسية والدبلوماسية أكثر أهمية من الأثر التجاري المباشر، فقد يزيد القرار من حدة التوتر في العلاقات البريطانية الإسرائيلية، خاصة في ظل التهديدات الإسرائيلية باتخاذ إجراءات مضادة، فقد وصل الأمر بوزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش إلى المطالبة بطرد السفير البريطاني، معتبرا ان بريطانيا يسيطر عليها الاسلام الرديكالي، بينما اقترح وزير الأمن إيتمار بن غفير ردًا سياسيًا بالاعتراف بجزر فوكلاند كأراضٍ أرجنتينية محتلة.
كما يُتوقع أن يشكل القرار البريطاني حافزاً لدول أوروبية أخرى (مثل إسبانيا وأيرلندا وهولندا التي تدرس أو بدأت خطوات مماثلة لاتخاذ إجراءات قانونية أكثر صرامة، مما يفرض ضغطاً نظامياً أوسع على اقتصاد المستوطنات الاسرائيلية
ورغم ان بريطانيا قد ابلغت ادارة ترامب رسميا عن توجهها بفرض العقوبات الا ان ادارة ترامب من المتوقع ان توجه توبيخا حادا الى لندن، وهذا يزيد التوتر بين لندن وواشنطن
بالنسبة للفلسطينيين، يمثل القرار مكسباً استراتيجياً مهماً. فهو يعزز الموقف القانوني الدولي الرافض للاستيطان، وهو ما ينسجم مع الفتوى القانونية لمحكمة العدل الدولية الصادرة في يوليو 2024 ويمنح دعماً عملياً للحقوق الفلسطينية في الأراضي والموارد الطبيعية، من خلال كبح جماح مصادرة المزيد من الأراضي الفلسطينية، خاصة في مناطق (ج) والمنطقة الحيوية (E1)، و يحد من محاولات دمج المستوطنات في الاقتصاد الإسرائيلي بصورة طبيعية، كذلك يعيد تسليط الضوء دولياً على ملف الاستيطان ومخاطر التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين، ويؤكد أن حل الدولتين لا يزال يمثل المرجعية السياسية لبريطانيا وحلفائها بالرغم من المحاولات الاسرائيلية لتقويضه على الأرض
يفتح قرار حظر منتجات المستوطنات البريطاني نافذة فرصة استراتيجية أمام السلع والشركات الفلسطينية
لإحلال منتجاتها الوطنية كبديل مباشر وموثوق في الأسواق البريطانية بموجب اتفاق الشراكة التجارية والسياسية القائم بين بريطانيا والسلطة الفلسطينية، تتدفق البضائع الفلسطينية إلى المملكة المتحدة دون أي رسوم جمركية (تعرفة صفرية)، مما يعطي المنتجات الزراعية والشركات القلسطينيةميزة تنافسية كبرى لسد الفراغ الذي سيخلفه غياب بضائع المستوطنات
في المحصلة، قد لا يؤدي الحظر البريطاني إلى إحداث تغيير كبير في حجم التجارة بين بريطانيا وإسرائيل على المدى القصير، لكنه يمثل تطوراً سياسياً واقتصادياً مهماً يحمل دلالات تتجاوز الأرقام التجارية، ويؤسس لمرحلة جديدة من التعامل الدولي مع ملف الاستيطان الإسرائيلي، ويمنح الاقتصاد الفلسطيني فرصة حقيقية لتعزيز حضوره في الأسواق العالمية.